يقوم المنتدى بنشر منهج أهل السنة وعقيدتهم والتعريف بأعلامهم وشعارنا لامعبودبحق الا الله ولامتبوع بحق الارسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةالأحداثمكتبة الصورالمنشوراتس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
»  درة الضرع لحديث أم زرع المؤلف : الرافعي
الثلاثاء أكتوبر 31, 2017 11:13 am من طرف Admin

» التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية ومعها شرح الأحاديث التي زادها ابن رجب الحنبلي للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري ( يرحمه الله )
الثلاثاء أكتوبر 31, 2017 10:54 am من طرف Admin

» التحف في مذاهب السلف محمد بن علي بن محمد الشوكاني
الإثنين أكتوبر 30, 2017 7:11 pm من طرف Admin

» سير أعلام النبلاءالجزائريين11
الإثنين أكتوبر 30, 2017 1:15 pm من طرف Admin

» سير أعلام النبلاءالجزائريين10
الإثنين أكتوبر 30, 2017 12:29 pm من طرف Admin

» سيرة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية رحمه الله تعالى
الإثنين أكتوبر 30, 2017 11:34 am من طرف Admin

» أَبْرَزُ الْفَوَائِدِ مِنَ الْأَرْبَعِ الْقَوَاعِدِ الشيخ زيد المدخلي رحمه الله
الأحد أكتوبر 29, 2017 4:37 pm من طرف Admin

» نصيحة إلى مغرورالشيخ فركوس
الأحد أكتوبر 29, 2017 2:05 pm من طرف Admin

» السلفية منهجُ الإسلام وليسَتْ دعوةَ تحزُّبٍ وتفرُّقٍ وفسادالشيخ فركوس
الأحد أكتوبر 29, 2017 1:58 pm من طرف Admin

ديسمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031
اليوميةاليومية
أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر

شاطر | 
 

 الكتاب : اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ابن رجب الحنبلي4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 118
تاريخ التسجيل : 12/10/2017
العمر : 44
الموقع : Asalfi

مُساهمةموضوع: الكتاب : اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ابن رجب الحنبلي4   الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 6:15 pm

الفصل الثالث في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث
وهي: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك " . فقال النبي (: " تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق " .
هذا دعاء عظيم من أجمع الأدعية وأكملها، فقوله (: " أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات " . يتضمن طلب كل خير وترك كل شر، فإن الخيرات تجمع كل ما يحبه الله تعالى ويقرب منه من الأعمال والأقوال من الواجبات والمستحبات، والمنكرات تشمل كل ما يكرهه الله تعالى ويباعد منه من الأقوال والأعمال، فمن حصل له هذا المطلوب حصل له خير الدنيا والآخرة، وقد كان النبي ( يستحب مثل هذه الأدعية الجامعة، قالت عائشة: كان النبي ( يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. خرجه أبو داود.
وقوله: " حب المساكين " . هذا قد يقال أنه من جملة فعل الخيرات، وأفرده بالذكر لشرفه وقوة الاهتمام به، كما أفرد أيضاً ذكر حب الله تعالى وحب من يحبه وحب عمل يبلغه إلى حبه، وذلك أصل فعل الخيرات كلها، وقد يقال أنه طلب من الله عز وجل أن يرزقه أعمال الطاعات بالجوارح وترك المنكرات بالجوارح، وأن يرزقه ما يوجب له ذلك، وهو حبه وحب من يحبه وحب عمل يبلغه حبه، فهذه المحبة بالقلب موجبة لفعل الخيرات بالجوارح ولترك المنكرات بالجوارح، وسأل الله تعالى أن يرزقه المحبة فيه. فقد تضمن هذا الدعاء سؤال حب الله عز وجل وحب أحبابه وحب الأعمال التي تقرب من حبه والحب فيه، وذلك مقتض فعل الخيرات كلها. وتضمن ترك المنكرات والسلامة من الفتن، وذلك يتضمن اجتناب الشر كله، فجمع هذا الدعاء طلب خير الدنيا، وتضمن سؤال المغفرة والرحمة، وذلك يجمع خير الآخرة كله، فجمع هذا الدعاء خير الدنيا والآخرة.
والمقصود أن حب المساكين أصل الحب في الله تعالى، لأن المساكين ليس عندهم من الدنيا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا لله عز وجل و " الحب في الله من أوثق عرى الإيمان " ، و " من علامات ذوي حلاوة الإيمان " ، وهو " صريح الإيمان " ، وهو " أفضل الإيمان " ، وهذا كله مروي عن النبي ( أنه وصف به الحب في الله تعالى، وروي عن ابن عباس أنه قال: " به تنال ولاية الله، وبه يوجد طعم الإيمان " .
وحب المساكين قد وصى به النبي ( غير واحد من أصحابه، قال أبو ذر: أوصاني رسول الله ( أن أحب المساكين، وأن أدنو منهم. خرجه الإمام أحمد، وخرج الترمذي عن عائشة أن النبي ( قال لها: " يا عائشة! أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة " .
ويروى أن داود عليه السلام كان يجالس المساكين، ويقول: يا رب مسكين بين مساكين. ولم يزل السلف الصالح يوصون بحبح المساكين، كتب سفيان الثوري إلى بعض إخوانه: " عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله ( كان يسأل ربه حب المساكين " .
وحب المساكين مستلزم لإخلاص العمل لله تعالى، والإخلاص هو أساس الأعمال الذي لا تثبت الأعمال إلا عليه، فإن حب المساكين يقتضي إسداء النفع إليهم بما يمكن من منافع الدين والدنيا، فإذا حصل إسداء النفع إليهم حباً لهم والإحسان إليهم كان هذا العمل خالصاً، وقد دل القرآن على ذلك، قال عز وجل: (ويُطعِمون الطعام على حُبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً " إنما نُطعمكم لوجهِ الله لا نريدُ منكم جزآءً ولا شُكوراً) الإنسان: 8،9،وقال عز وجل: (ولا تطرُدِ الذين يدعون ربَّهم بالغَداةِ والعَشيِّ يُريدون وجهَهُ ما عليك من حِسابِهم من شيءٍ وما مِنْ حِسَابِك عليهم مِنْ شيءٍ مع الذين يدعون ربَّهم بالغداةِ والعَشي يريدون وجهَه ولا تعدُ عيناك عنهم تريدُ زينةَ الحياة الدنيا) الكهف: 28.
قال سعد بن أبي وقاص: نزلت هذه الآية في ستة: فيّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال، قالت قريش لرسول الله (: إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهم فاطردهم عنك. فأنزل الله عز وجل: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) الآية.
وقال خباب بن الأرت في هذه الآية: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فوجدوا رسول الله ( مع صهيب وعمار وبلال وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ( حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً. قال: فدعا بصحيفة، ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل عليه السلام فقال: (ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعَشيِّ يُريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيءٍ وما من حسابك عليهم من شيءٍ فتطردَهم فتكون من الظالمين) ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة ابن حصين فقال: (وكذلك فتنَّا بعضهم ببعضٍ ليقولوآ أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا أليسَ الله بأعلَم بالشاكرين) النعام: 53 ثم قال: (وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فَقُلْ سلامٌ عليكم كتبَ ربُّكم على نفسه الرحمة) الأنعام: 54. قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبتيه، وكان رسول الله ( يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربَّهم بالغداةِ والعَشيِّ يُريدون وجهَه ولا تعدُ عيناك عنهم) ولا تجالس الأشراف، (ولا تُطِعْ مَنْ أغفلنا قلبَهُ عن ذِكرِنا) الكهف: 28 يعني: عيينة والأقرع. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ( فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم. خرجه ابن ماجه وغيره.
وكان النبي ( يعود المرضى من مساكين أهل المدينة ويشيع جنائزهم، " وكان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي حاجتهما " ، وعلى هذا الهدي كان أصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان.
وروي عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه، وكان النبي ( يكنيه: أبا المساكين. وفي رواية: أنه كان يطعمهم، وربما أخرج لهم عكة فيها العسل فشقوها ولعقوها.
وكانت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين تسمى أم المساكين لكثرة إحسانها إليهم، وقد توفيت في حياة النبي (. وقال ضرار بن مرة في وصف علي بن أبي طالب في أيام خلافته: كان يعظم أهل الدين، ويحب المساكين. ومر ابنه الحسن رضي الله عنهما على مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا: (إنَّه لا يُحبُّ المُستكبرين) النحل: 23 ثم دعاهم إلى منزله فأطعمهم وأكرمهم. وكان ابن عمر لا يأكل غالباً إلا مع المساكين، ويقول: لعل بعض هؤلاء أن يكون ملكاً يوم القيامة.
وجاء مسكين أعمى إلى ابن مسعود وقد ازدحم الناس عنده فناداه: يا أبا عبد الرحمن! آويت أرباب الخز واليمنية وأقصيتني لأجل أني مسكين. فقال له: أدنه. فلم يزل يدنيه حتى أجلسه بجانبه أو بقربه. وكان مطرف بن عبد الله يلبس الثياب الحسنة ثم يأتي المساكين ويجالسهم. وكان سفيان الثوري يعظم المساكين ويجفو أهل الدنيا، فكان الفقراء في مجلسه هم الأغنياء، والأغنياء هم الفقراء. وقال سليمان التيمي: كنا إذا طلبنا علية أصحابنا وجدناهم عند الفقراء والمساكين. وقال الفضيل: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.
ومن فضائل المساكين أنهم أكثر أهل الجنة كما قال النبي (: " قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين " وقال (: " تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين " وسئل النبي ( عن أهل الجنة، فقال: " كل ضعيف متضعف " .
وهم أول الناس دخولاً كما صح عنه (: " أن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة بأربعين عاماً " . وفي رواية: " أنهم يدخلون الجنة بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة " .
وهم أول الناس إجازة على الصراط كما صح عنه ( أنه سئل: من أول الناس غجازة على الصراط؟ فقال: " فقراء المهاجرين " .
وهم أول الناس وروداً الحوض كما قال (: " أول الناس وروداً عليه: فقراء المهاجرين، الدنس الثياب والشعث رؤوساً، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد " .وهم أتباع الرسل كما أخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام أن قومه عيروه باتباع الضعفاء له فقالوا: (أنؤمنُ لك واتَّبعكَ الأرْذَلون) الشعراء: 111، وكذلك قال هرقل لأبي سفيان لما سأله النبي (: وهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاءهم. قال هرقل: هم اتباع الرسل.
وهم أفضل من الأغنياء عند كثير من العلماء أو أكثرهم، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة، منها قول النبي ( حين مر به الغني والمسكين في المسجد: " هذا يعني: المسكين خير من ملء الأرض من مثل هذا يعني: الغني " . وقد خرجه البخاري وغيره.
ومنهم من لو أقسم على الله لأبره كما في الصحيح عن النبي ( أنه قال في أهل الجنة: " كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره " . وفي رواية: " أشعث ذو طمرين " ، وفي رواية خرجها ابن ماجة: " أنهم ملوك الجنة " ، وفي الحديث المشهور: " رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره " خرجه الحاكم وغيره.
رُبَّ ذي طمرين نِضْوٍ ... يأمَنُ العَالَمُ شَرَّهُ
لا يُرى إلاّ غنياً ... وهو لا يملكُ ذَرَّهْ
ثم لو أقسمَ في شيءٍ ... على اللهِ أَبَرَّهْ
قال ابن مسعود: كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح الظلام، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض.
طوبى لعبدٍ بحبلِ الله مُعْتَصَمُه ... على صراطٍ سَويٍّ ثابتٍ قدمُه
رثّ اللباس جديدِ القلب مُستترٍ ... في الأرض مشتهرٍ فوقَ السما وَسْمُه
ما زال يستحقرُ الأُولَى بِهمَّته ... حتى ترقّى إلى الأخرى به هِمَمُه
فداك أعظمُ من التاج مُتّكئاً ... على النمارق مُحتفّاً به خَدَمُه
واعلم أن محبة المساكين لها فوائد كثيرة، منها: أنها توجب إخلاص العمل لله عز وجل، لأن الإحسان إليهم لمحبتهم لا يكون إلا لله عز وجل، لأن نفعهم لا يرجى غالباً. فأما من أحسن إليهم ليمدح بذلك فمل أحسن إليهم حباً لهم بل حباً لأهل الدنيا، وطلباً لمدحهم له بحب المساكين.
ومنها: أنها تزيل الكبر، فإن المستكبر لا يرضى مجالسة المساكين كما سبق عن رؤساء قريش والأعراب ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبه بهم، حتى إن بعض علماء السوء كان لا يشهد الصلاة في جماعة خشية أن تزاحمه المساكين في الصف.
ويمتنع بسبب هذا الكبر خير كثير جداً، فإن مجالسة الذكر والعلم يقع فيها كثيراً مجالسة المساكين، فإنهم أكثر هذه المجالس، فيمتنع المتكبر من هذه المجالس بتكبره، وربما كان المسموع منه الذكر والعلم من جملة المساكين، فيأنف أهل الكبر من التردد إلى مجلسه كذلك يفوتهم خير كثير. وقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنهم قالوا: (لولا نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتين عظيم) الزخرف: 31 يشيرون إلى عظماء مكة والطائف كعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة ونحوهما من صناديد قريش وثقيف ذوي الأموال والشرف فيهم ممن كان أكثر مالاً من محمد ( وأعظم رياسة عندهم، ورد عليهم سبحانه بأنه يقسم رحمته كما يشاء، وأنه كما رفع درجات بعضهم على بعض في الدنيا فكذلك يرفعها في الآخرة، وأن رحمته بالنبوة والعلم والإيمان خير مما يجمعونه من الأموال التي تفنى، فهو يخص بهذه الرحمة الدينية من يشاء ويرفعه على أهل النعم الدنيوية، وقد خص محمداً ( بما لم يشركه غيره من هذه النعم كما قال تعالى: (وأنزل الله عليك الكتابَ والحكمةَ وعلَّمكَ ما لم تكنْ تعلمُ وكانَ فضلُ الله عليك عظيماً) النساء: 113.
وقد كان علي بن الحسين يجلس في مجلس زيد بن أسلم فيعاتب على ذلك فيقول: إنما يجلس المرء حيث يكون له فيه نفع. أو كما قال: يشير إلى أنه ينتفع بسماع ما لم يسمعه من العلم والحكمة، وزيد بن أسلم أبوه مولى لعمر، وعلي بن الحسين سيد بني هاشم وشريفهم.ولما اجتمع الزهري وأبو حازم الزاهد بالمدينة عند بعض بني أمية لما حجّ وسمع الزهري كلام أبي حازم وحكمته أعجبه ذلك، وقال: هو جاري منذ كذا وكذا، وما جالسته وما عرفت أن هذا عنده!. فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ولو كنت من الأغنياء لعرفتني فوبخه بذلك. وفي رواية عنه أنه قال له: لو أحببت الله أحببتني، ولكنك نسيت الله فنسيتني. يشير إلى أن من أحب الله تعالى أحب المساكين من أهل العلم والحكمة لأجل محبته لله تعالى، ومن غفل عن الله تعالى غفل عن أوليائه من المساكين فلم يرفع بهم رأساً، ولم ينتفع بما اختصهم الله عز وجل به من الحكمة والعلوم النافعة التي لا توجد عند غيرهم من أهل الدنيا.
وقد كان علماء السلف يأخذون العلم عن أهله والغالب عليهم المسكنة وعدم المال والرفعة في الدنيا، ويدعون أهل الرياسات والولايات فلا يأخذون عنهم ما عندهم من العلم بالكلية.
ومنها: أنه يوجب صلاح القلب وخشوعه، وفي المسند عن أبي هريرة أن رجلاً شكى إلى رسول الله ( قسوة قلبه، فقال له: " إن أحببت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم " .
ومنها: أن مجالسة المساكين توجب رضى من يجالسهم برزق الله عز وجل، وتعظم عنده نعمة الله عز وجل عليه بنظره في الدنيا إلى من دونه. ومجالسة الأغنياء توجي السخط بالرزق، ومد العين إلى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى الله عز وجل نبيه ( عن ذلك فقال تعالى: (ولا تَمُدَّنَّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم زَهْرَةَ الحياةِ الدنيا لنفتِنَهم فيه ورزقُ ربِّك خيرٌ وأبقى) طه: 131، وقال النبي (: " انظروا إلى من دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " . قال أبو ذر: أوصاني رسول الله ( أن أنظر إلى من دوني ولا أنظر إلى من فوقي، وأوصاني أن أحب المساكين وأن أدنو منهم.
وكان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يجالس الأغنياء فلا يزال في غمّ، لأنه لا يزال يرى من هو أحسن منه لباساً ومركباً ومسكناً ومطعماً، فتركهم وجالس المساكين فاستراح من ذلك.
وقد روي عن النبي ( أنه نهى عائشة من مخالطة الأغنياء. وقال عمر: إياكم والدخول على أهل السعة فإنه مسخطة للرزق.
واعلم أن المسكين إذا أطلق يراد به غالباً من لا مال له يكفيه، فإن الحاجة توجب السكون والتواضع، بخلاف الغني فإنه يوجب الطغيان، ولهذا ذم الفقير المختال وعظم وعيده لأنه عصى بما ينافي فقره، وهو الاختيال والزهو والكبر.
ولما كان المسكين عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى من لا كفاية له من المال وصى الله تعالى بإيثار المساكين وإطعامهم الطعام، ومدح من يطعمهم، وذم من لا يحض على إطعامهم، وجعل لهم حقاً في أموال الصدقات والفئ وخمس الغنائم وحضور قسمة الأموال.
وهؤلاء المساكين على قسمين: أحدهما: من هو محتاج في الباطن وقد أظهر حاجته للناس، والثاني: من يكتم حاجته ويظهر للناس أنه غني فهذا أشرف القسمين، وقد مدح الله عز وجل هذا في قوله تعالى: (للفقرآءِ الذين أُحْصِروا في سبيلِ الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسَبُهم الجاهلُ أغنيآءَ من التَّعفُّفِ تعرفُهم بسيماهم لا يسألون الناسَ إلحافاً) البقرة: 273، وقال النبي (: " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين من لا يجد ما يغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه " . وقال بعضهم: هذا المحروم المذكور في قوله عز وجل: (للسآئلِ والمحرومِ) الذاريات: 19، فأخبر النبي ( أن من كتم حاجته فلم يفطن له أحق باسم المسكين من الذي أظهر حاجته بالسؤال، وأنه أحق بالبر منه، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يعرفون من المساكين إلا من أظهر حاجته بالسؤال، وبهذا فرق طائفة من العلماء بين الفقير والمسكين، فقالوا: من أظهر حاجته فهو مسكين، ومن كتمها فهو فقير. وفي كلام الإمام أحمد إيماء إلى ذلك، وإن كان المشهور عنه أن التفريق بينهما بكثرة الحاجة وقلتها كقول كثير من الفقهاء، وهذا حيث جمع بين ذكر الفقير والمسكين كما في آية الصدقات، وأما إن أفرد أحد الاسمين دخل فيه الآخر عند الأكثرين.
وقد كان كثير من السلف يكتم حاجته ويظهر الغنى تعففاً وتكرماً، منهم: إبراهيم النخعي كان يلبس ثياباً حسناء، ويخرج إلى الناس وهم يرون أنه تحل له الميتة من الحاجة.وكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى له إلا المساجد،وكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو. وإنما يعني به الفقر شعر:
أن الكريم ليُخفي عنك عُسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
وكان بعكس هؤلاء من يلبس ثياب المساكين مع الغنى تواضعاً لله عز وجل، وبعداً من الكبر كما كان يفعله الخلفاء الراشدون الأربعة وبعدهم عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما رضي الله عنهم، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان ينشد:
إذا أردت شريفَ الناس كُلِّهمُ ... فانظُر إلى ملكٍ في زِيِّ مسكين
ذاك الذي حَسُنت في الناس سيرتُه ... وذاك يصلحُ للدُّنيا وللدين
وكان علي رضي الله عنه يعاتب على لباسه فيقول: هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وعوتب عمر بن عبد العزيز على ذلك فقال: إن أفضل القصد عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه مع قدرته ووجدانه.
وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي ( أنه قال: " البذاذة من الإيمان " يعني: التقشف. وفي الترمذي عن النبي (: " من ترك اللباس تواضعاً لله عز وجل وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها " . وخرجه أبو داود من وجه آخر ولفظه: " من ترك ثوب جمال أحسبه قال: تواضعاً كساه الله حلة الكرامة " .
وإنما يذم من ترك اللباس مع قدرته عليه بخلاً على نفسه، أو كتماناً لنعمة الله عز وجل، وفي هذا جاء الحديث المشهور: " إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده " . ومن لبس لباساً حسناً إظهاراً لنعمة الله ولم يفعله اختيالاً كان حسناً.
وكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباساً حسناً، منهم: ابن عباس، والحسن البصري. وقد صح عن النبي ( أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسناً ونعله حسناً؟ قال: " ليس ذلك بالكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمط الناس " . يعني: التكبر عن قبول الحق والانقياد له، واحتقار الناس وازدراءهم فهذا هو الكبر، فأما مجرد اللباس الحسن الخالي عن الخيلاء فليس بكبر، واحتقار الناس مع رثاثة اللباس كبر. وقد روي عن النبي ( أنه كان ماشياً في طريق، وهناك أمة سوداء، فقال لها رجل: الطريق! الطريق! للنبي (. فقالت: الطريق يمنة ويسرة!. فقال النبي (: " دعوها فإنها جبارة " . خرجه النسائي وغيره، وفي رواية للطبراني وغيره: قالوا: يا رسول الله! إنها. يعني: مسكينة. قال: " إن ذاك في قلبها " . يعني أن الكبر في قلبها وإن كان لباسها لباس المساكين. وقال الحسن إن قوماً جعلوا التواضع في لباسهم والكبر في صدورهم، إن أحدهم أشد كبراً بمدرعته من صاحب السرير بسريره، وصاحب المنبر بمنبره. قال أحمد ابن أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان وكان يعدل بأبيه: أي شيء أرادوا بثياب الصوف؟. قلت: التواضع. قال: وما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف!.
وقال أبو سليمان: يكون ظاهرك قطنياً وباطنك صوفياً. قال أبو الحسين بن بشار: صوف قلبك، والبس القوهي على القوهي. يعني: رفيع الثياب. فمتى أظهر الإنسان لباس المساكين لدعوى الصلاح ليشتهر بذلك عند الناس كان ذلك كبراً ورياء، ومن هنا ترك كثير من السلف المخلصين اللباس المختص بالفقراء والصالحين، وقالوا: إنه شهرة. ولما قدم سيار أبو الحكم البصرة لزيارة مالك بن دينار لبس ثياباً حسنة ثم دخل المسجد فصلى صلاة حسنة، فرآه مالك ولم يعرفه فقال له: يا شيخ! إني أرغب بك عن هذه الثياب مع هذه الصلاة. فقال له: يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعني؟! قال: بل تضعك. فقال: نعم الثوب ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين يعني: الصوف أنزلاك عند الناس ما لم ينزلاك من الله. فبكى مالك وقام إليه واعتنقه، وقال له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم؟ قال: نعم.فلهذا كره من كره من السلف كابن سيرين وغيره لباس الصوف حيث صار شعار الزاهدين، فيكون لباسه إشهاراً للنفس، وإظهاراً للزهد، وأما النبي ( فكان يلبس ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل اليمن وثياب الشام ونحوها، وتارة يلبس لباس المساكين فيلبس جبة من صوف أحياناً، وأحياناً يتزر بعباءة ويهيئ إبل الصدقة، يعني أنه يطلبها بيده ويصلحها كما يفعل أرباب الإبل بها، ولم يبعث الله نبياً من أهل الكبر، ونما بعث من لا كبر عنده، ولا يتكبر عن معالجة الأشياء التي يأنف منها المتكبرون كرعاية الإبل والغنم، وإجارة نفسه عند الحاجة إلى الاكتساب. ومن أعطاه الله منهم ملكاً فإنه لم يزل دأبه تواضعاً لله عز وجل كداود وسليمان ومحمد. صلى الله عليهم وسلم تسليماً كثيراً.
وقد يطلق اسم المسكين ويراد به من استكان قلبه لله عز وجل، وانكسر له وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته ومحبته ومهابته، وعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي ( أنه قال: " اللهم أحييني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين " . خرجه الترمذي من حديث أنس، وخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس، وفي حمله على ذلك نظر لأن في تمام حديثيهما ما يدل على أن المراد به المساكين من المال، لأنه ذكر سبقهم الأغنياء إلى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفاً.
وقد خير النبي ( بين أن يكون نبياً ملكاً أو عبداً رسولاً، فأشار إليه جبريل أن تواضع. فقال: " بل عبداً رسولاً " . وكان بعد ذلك لا يأكل متكئاً، ويقول: " آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد " . قال الحسن: قال رسول الله (: " فأعطاني الله لذلك أن جعلني شيد ولد آدم، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض " . وصح عنه ( أنه قال: " إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " . فأشرف أسمائه: عبد الله، ولهذا سمي بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق (عبوديته لربه حصلت له السيادة على جميع الخلق.
كان كثير من العارفين في مناجاته لربه: كفى بي فخراً أني لك عبد، وكفى بي شرفاً أنك لي رب. وكان بعضهم يقول: كلما ذكرت أنه ربي وأنا عبده حصل لي من السرور ما يصلح به بدني:
شرفُ النفوس دخولها في رقِّهم ... والعبدُ يحوي الفخر بالمُتملِّك
وكان أبو زيد البسطامي ينشد:
يا ليتني صِرت شيئاً ... من غير شيء أُعدُّ
أصبحت للكل مولى ... لأنني لك عبدُ
فمن انكسر قلبه لله عز وجل واستكان وخشع وتواضع جبره الله عز وجل، ورفعه بقدر ذلك، وفي الأثر المشهور: أن الله عز وجل قال لموسى على نبينا وعليه السلام حين سأله: أين أجدك؟. قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإني أدنو منهم كل يوم باعاً ولولا ذلك لانهدموا. وروي عن عبد الله بن سلام أنه فسره، فقال: هم المنكسرة قلوبهم بحب الله عن حب غيره. وفي الحديث المشهور المرفوع: " إن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له، فإذا تجلى لقلوب العارفين عظمة الله وجلاله وكبرياؤه اندكت قلوبهم من هيبته، وخشعت وانكسرت من محبته ومخافته " .
يتبع..........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salfi.ahlamontada.com
 
الكتاب : اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ابن رجب الحنبلي4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى الاسلامي السلفي :: منتدى الحديث وفقهه-
انتقل الى: